الشوكاني
265
نيل الأوطار
على العموم ، وسواء كان بأجرة أم لا وروي عن البخاري أنه حمل النهي على البيع بأجرة لا بغير أجرة فإنه من باب النصيحة . وروي عن عطاء ومجاهد وأبي حنيفة أنه يجوز بيع الحاضر للبادي مطلقا وتمسكوا بأحاديث النصيحة . وروي مثل ذلك عن الهادي وقالوا : إن أحاديث الباب منسوخة ، واستظهروا على الجواز بالقياس على توكيل البادي للحاضر فإنه جائز ، ويجاب عن تمسكهم بأحاديث النصيحة بأنها عامة مخصصة بأحاديث الباب ( فأن قيل ) إن أحاديث النصيحة وأحاديث الباب بينها عموم وخصوص من وجه لأن بيع الحاضر للبادي قد يكون على غير وجه النصيحة ، فيحتاج حينئذ إلى الترجيح من خارج ، كما هو شأن الترجيح بين العمومين المتعارضين ، فيقال : المراد بيع الحاضر للبادي الذي جعلناه أخص مطلقا هو البيع الشرعي بيع المسلم للمسلم الذي بينه الشارع للأمة ، وليس بيع الغش والخدع داخلا في مسمى هذا البيع الشرعي ، كما أنه لا يدخل فيه بيع الربا وغيره مما لا يحل شرعا ، فلا يكون البيع باعتبار ما ليس بيعا شرعيا أعم من وجه حتى يحتاج إلى طلب مرجح بين العمومين ، لأن ذلك ليس هو البيع الشرعي ، ويجاب عن دعوى النسخ بأنها إنما تصح عند العلم بتأخر الناسخ ولم ينقل ذلك . وعن القياس بأنه فاسد الاعتبار لمصادمته النص على أن أحاديث الباب أخص من الأدلة القاضية بجواز التوكيل مطلقا فيبنى العام على الخاص ( واعلم ) أنه كما لا يجوز أن يبيع الحاضر للبادي كذلك لا يجوز أن يشتري له ، وبه قال ابن سيرين والنخعي . وعن مالك روايتان ، ويدل لذلك ما أخرجه أبو داود عن أنس بن مالك أنه قال : كان يقال لا بيع حاضر لباد وهي كلمة جامعة لا يبيع له شيئا ولا يبتاع له شيئا ، ولكن في إسناده أبو هلال محمد بن سليم الراسبي وقد تكلم فيه غير واحد . وأخرج أبو عوانة في صحيحه عن ابن سيرين قال : لقيت أنس بن مالك فقلت : لا يبع حاضر لباد ، أنهيتم أن تبيعوا أو تبتاعوا لهم ؟ قال : نعم ، قال محمد : صدق أنها كلمة جامعة ، ويقوي ذلك العلة التي نبه عليها صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض فإن ذلك يحصل بشراء من لا خبرة له بالأثمان كما يحصل ببيعه ، وعلى فرض عدم ورود نص يقضي بالشراء حكمه حكم البيع فقد تقرر أن لفظ البيع يطلق على الشراء ، وأنه مشترك بينهما ، كما أن لفظ الشراء يطلق على البيع لكونه مشتركا بينهما ،